فرحتي

اصنع بطاقتك مع شبكة أفراح

Friday, April 24, 2009

الفريق يوسف عفيفي: سيناء سقطت من حسابات مصر



- تخوين أهل سيناء جريمة وانتقاص من جهادهم ونضالهم معنا
- ليست هذه سيناء التي كنا نرسمها في مخيلاتنا وحاربنا من أجلها
- لا يوجد تخطيط قومي واعٍ في مصر يدمج أهل سيناء في الوطن
- الحكومة عزلت أرض الفيروز مما جعلها أكثر خطرًا علينا
- حاربنا في أكتوبر للنصر والسياسيون لهم حساباتهم المختلفة

حوار– حسن محمود:
أطلق عليه الصهاينة الجنرال العنيد " the stabod genral"، وهو واحد من أبطال حرب أكتوبر الذين أبلوا بلاءً حسنًا في قيادة الفرقة 19 التي حققت إنجازات هامة، ونال على دوره فيها أرفع الأوسمة المصرية (نوط الشجاعة)؛ لينضم إلى مجموعة كبيرة من الأوسمة التي نالها على مدى خبرته العسكرية الطويلة منذ تخرجه في الكلية الحربية عام 1948، تلك الأوسمة والنياشين التي تجاوز عددها العشرة.

هو الفريق يوسف عفيفي.. حصل على العديد من الدراسات العسكرية الرفيعة؛ من بينها ماجستير العلوم العسكرية، إضافة إلى حصوله على بكالوريوس التجارة عام1957.. تدرج في العديد من المواقع القيادية؛ ومن بينها رئاسته أركان الحرس الجمهوري، ومساعد وزير الدفاع، إضافة إلى مواقع قيادية هامة خارج مصر؛ من بينها تعيينه ملحقًا عسكريًّا بموسكو؛ وعضوًا للبعثة التدريبية المصرية في اليمن، وعضوًا في البعثة العسكرية المصرية بسوريا وغيرها.. كما عُين محافظًا للبحر الأحمر عام 1981 ثم محافظًا للجيزة.

(إخوان أون لاين) توجه إليه مع حلول الذكرى السابعة والعشرين لتحرير سيناء، وفتح معه ملفات سيناء المغلقة، ورجع معه إلي ساعات الحرب والعناء، وتحدَّث خلال سطور الحوار التالي بحزن وأسىً عن سيناء بوضعها الراهن وأفصح لنا عن عدد من الأسرار التي تنشر لأول مرة.

* بمناسبة الذكرى 27 لتحرير سيناء، كيف تنظر إلى سيناء الجرداء التي توقف فيها التعمير والبناء ؟
** أنظر إليها بحزن وأسىً؛ فليست هذه سيناء التي كنا نرسم لها في مخيلاتنا وأشعارنا أحلامًا، فشبة جزيرة سيناء مساحتها 6 % من مساحة مصر، ونحو 3 أمثال مساحة الدلتا، وسواحلها 30 % من سواحل مصر، و أقل عزلة من باقي صحارينا، ولكنها- للأسف- تركوها، على الرغم من أنها احتضنت القبائل السيناوية أثناء الاعتداء، ودمجتهم في الكيان المصري ضد العدو.

وللأسف لا يوجد تخطيط قومي واعٍ في مصر يدمج أهل سيناء في الوطن، ويدخل سيناء كلها في دائرة الحيوية والبقاء، بل هناك عدم اكتراث وتراخٍ مريب في تنمية سيناء، على الرغم من هذه الأهمية القصوى، وكأن هناك خطوطًا حمراء تمنع تعميرها، على الرغم من أنها موقع أمن قومي مباشر، وعلى الرغم من كل هذا العمر الذي ابيضَّ فيه الشعر، فلا زال هناك جدال ومناقشات وكلام بلا فعل، وترتب على ذلك أن عدنا إلى الوراء، وعزل سيناء عن مصر، وتفجير الوضع فيها دون مبرر؛ مما جعل سيناء- بوضعها الراهن- أشد خطرًا على أمن مصر من ذي قبل.

وأضيف أنه- للأسف- اهتمت الدولة بتنمية الساحل الشمالي والغربي، الذي لم يعد بأي فائدة تُذكر على الدولة، بل كلف الدولة مليارات الجنيهات في المرافق، دون جدوى اقتصادية فضلاً عن مشروع مثل مشروع أبو طرطور الذي كلَّف الدولة 9 مليارات جنيه حتى الآن دون فائدة، ومشروع توشكى الذي كلف الدولة أكثر من 6 مليار جنيه دون عائد أيضًا، كل هذا ناتج عن فشل التخطيط والدراسة، وفشل الدراسة قبل التخطيط، وعدم وجود متابعة جيدة لنشاط المشاريع، ولعلمك أيضا.. إن الدراسات موجودة لا تخفى على أحد، ولكن لدينا شعب لا يقرأ وحكومة لا تتحرك بطريقة علمية ومخلصة؛ لأنها لم تهتم بما كتبه العالم الكبير د. جمال حمدان في كتابه "شخصية مصر" في فصل سيناء؛ حيث نجد دراسة كاملة تحتاج إلى تنفيذ، والتنفيذ يحتاج إلى قوة معنوية وقوى عاملة وإدارة سليمة ورأس مال وطريقة صحيحة للعمل، ونحن لدينا قوة عاملة نستطيع غرس نية خالصة فيها بتنفيذ إرادة الله في إعمار الأرض، ولدينا شعب لديه روح أكتوبر ومعنوياتها وسيتحرك إلى سيناء مادام وجد همة ودفعة إلى ذلك، ونحتاج إلي إرادة واعية مخلصة، ومدير جريء وحاسم ومؤتمن ويتقي الله، والمال سيأتي حتمًا، حتى ولو بالجهود الذاتية، والمواد موجود بوفرة في سيناء، وكل هذا يحتاج الي جهاز جديد يتصف بكل ما سبق؛ لإخراج سيناء من كبوتها وإحداث تنمية حقيقة فيها، تنقذنا من أي خطر، وتنقذنا من مخاطر ترك الأرض بدون تعمير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

إعادة احتلال سيناء
* بعد المعارك والنصر في 1973 هناك استطلاع رأي صهيوني كشف مؤخرًا رغبة الصهاينة في إعادة احتلال سيناء، ما تعليقك؟
**في هذا الصدد أشير إلى أنه لابد من تعمير سيناء بأسرع ما يمكن؛ من أجل الدفاع عنها، والتعمير لا يتأتى إلا بامتلاك المواطنين للأرض واتباع الأسلوب الذي يتبعه الصهاينة في بناء مستوطناتهم؛ بمعنى مشاركة الدولة بالتخطيط، وترك المواطنين للبناء والتعمير والاستثمار، بعد أن يشعروا بأن هناك أمانًا مستقبليًّا لهم واستقرارًا جديدًا لهم في هذه المنطقة، وأنا خضت تجربة أثناء تولي مسئولية محافظة البحر الأحمر، وقمت بتحويل الصحراء في الغردقة وباقي مدن المحافظة إلى بؤر سياحة مؤثرة عن طريق استثمار جهود الفقراء والأغنياء على السواء في التعمير، وتحولت مدنها من مدن استهلاكية إلى مدن إنتاجية، ومددت الدولة بمليارات عن طريق الجهود الذاتية والاستفادة من التنمية الذاتية.

* إذن كيف ترى اتفاقية "كامب ديفيد" التي يراها البعض أحد أسباب وقف تعمير سيناء؟
** "كامب ديفيد" مُرَّة ولكن دعني أكرر المثل الشعبي على مسامعك لتعرف رأيي: "إيه اللي رماك على المُرّ؟ قال: اللي أمَرّ منه"، وأنا لا أستطيع أن أربط بين "كامب ديفيد" وتعمير سيناء أو غير هذا، فالاتفاقية على المستوى الرسمي كانت ضرورة ملحَّة في ظل الظروف الدولية، ونحن قمنا بمعجزة حقيقة في حرب أكتوبر، والسياسيون رأوا أن يكملوا المسيرة بتوقيع الاتفاقية، لكن رأينا نحن- كعسكريين- أننا ملتزمون بالجبهة وتحقيق إنجازات عليها فقط.

اتهامات خاطئة
توترات مستمرة بين قوات الأمن وبدو سيناء * ما رأيك فيما يثار عن أهل سيناء اليوم من اتهامات بالتخوين و إثارة القلاقل، كيف رأيت وتر أهل سيناء؟
** أنا أقول شهادة للتاريخ في أهل سيناء؛ لأنهم يستحقون أن يدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، فهم أهل شجاعة وأمانة، وهم الذين رفضوا التخلي عن سيناء في الماضي، وتكبدوا العناء من أجل الدفاع عنها، وقدموا كل المعاونات الممكنة لقواتنا المسلحة في حرب التحرير، ولذلك اهتم اليهود بهم أثناء العدوان جيدًا، وأعطوا شيوخ القبائل فيهم صلاحياتهم، حتى إن السيدة التي كانت تضع وليدها كانت تذهب به إلى المستشفيات الصهيوينة للولادة بطائرة صهيونية خصيصًا.

ومن هنا نسيت السلطات المصرية أن لهذه القبائل شيوخًا لهم سطوة، وقانون عرفي يغلب القانون الوضعي في قوته، ودفعت بقيادات شباب هزُّوا من وضع هؤلاء الشيوخ، وقاموا بارتكاب كل ما يتناقض مع عادات والتقاليد السيناوية، مثل مهاجمة البيوت والنساء داخلها، والتعرُّض بعنف لبعض المخالفين أثناء تحركاتهم، وهنا حدث قلق انتشر بين أهالي سيناء ظهر آثاره على بعض الأحداث التي حدثت بين الشرطة والأهالي مؤخرًا، وأنا أدعو الجميع إلى الهدوء.. وأعتقد أن ما حدث هو ذوبعة في فنجان، لن تستمر.

وأؤكد أهمية عدم تعميم اتهامات مجهزة على أهالي سيناء المخلصين الشجعان، فكل مجتمع فيه الطالح والصالح، ولا بد من الوعي بطبيعة المجتمع قبل إلقاء التهم عليه جزافًا.

الهزيمة
* لو عدنا إلى الوراء وتحديدًا من قرار استبعادكم من القوات المسلحة بعد هزيمة 1967.. ما تفاصيل ذلك القرار؟
** الأجواء في ذلك الوقت كما تعلمون كانت أجواء حزن ورغبة في الثأر، والانتقام من الصهاينة، وهي حالة طبيعية بعد الهزيمة المرة في 1967، وكنا نترقب اللحظة التي نستعيد فيها عزة الوطن مرة أخري، وكنت أثناء هذه الأجواء مقيد الحرية ومعي 90 % من قادة التحرير من قيادات التشكيلات والوحدات والهيئات والإدارات، جلسنا تحت التحفظ بعد هزيمة 1967 لمدة 9 أشهر بقرار من جمال عبد الناصر ثم خرجنا إلى التقاعد، وقيل إن سبب الإحالة للتقاعد وشايات مفادها أننا نريد الانقلاب على عبد الناصر بمساعدة المشير عبد الحكيم عامر، وقيل أيضًا بسبب رغبة القيادة السياسية في التحفظ علينا لوقت "العوزة"، ولكن إرادة الله كانت أبقى؛ حيث عدنا إلى القوات المسلحة في ثورة التصحيح سنة 1971، حيث قام الرئيس الراحل أنور السادات بإعادتنا إلى الجيش، وكان على يد هذه القيادات النصر والعبور العظيم.

وأذكر لك بعض هؤلاء القيادات، وهم: العمداء- آنذاك-: أحمد بدوي قائد الفرقة 7 ووزير الدفاع بعد ذلك، والعميد يوسف عفيفي، وقد توليت الفرقة 19، والشهيد جلال سري قائد سلاح المهندسين الذي ابتكر خراطيم المياه التي جرفت خط بارليف وفتحت ثغرات فيه.

* صف لنا شعوركم بعد سماع قرار السادات بعودتكم إلى القوات المسلحة؟
** كنا في حزن شديد؛ لعدم استكمال مسيرتنا العسكرية في فترة كانت القوات المسلحة في أشد فترات الاحتياجات إلينا، خاصةً أن معظم هؤلاء المبعدين كانوا على أعلى مستوى في التدريب والبعثات الدبلوماسية.

قرار النصر
* كيف استقبل قادة التحرير قرار إعلان حرب استعادة سيناء؟
** كانت هناك فرحة عارمة وسط القادة، وانسابت الدموع من عيونهم؛ سرورًا وبهجة لتحقيق الثأر الذي انتظرناه 6 سنوات منذ حرب الاستنزاف، وأخذنا بعضنا بالأحضان، وتم تسليم الأعلام للقادة ليرفعوها عالية فوق خط بارليف بعد النصر.

* من أين جاءت كل هذه الثقة التي دفعتكم إلى تطلع النصر وتسليم الأعلام على الرغم من إحكام الصهاينة قبضتهم على تأمين احتلالهم لسيناء؟
** لقد ارتكن العدو إلى مسألة تأمين سيناء باحتلالها، ورأى خطأنا أن سيناء باتت عمقًا كبيرًا له، فاطمئن أن نظرية الأمن قد تحققت ، وتجاهل مبدأ عسكري مهم، وهو مبدأ "المفاجأة" فكانت مربط الفرس الذي قدنا به ضربة قوية مفاجئة له، وكنا ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر؛ فإما نحقق النصر وإما الشهادة، لذلك تحمَّلنا الكثير وأبدعنا الكثير؛ من أجل رد الاعتبار للقوات المسلحة المصرية وتصحيح صورتها التي شوهتها هزيمة 1967 التي جاءت بقرار سياسي خاطئ، وكان من فضل الله سبحانه وتعالى أن علم مصر تم رفعه من أحد مقاتلي اللواء السابع من الفرقة 19 بعد اقتحامه البطولي لخط بارليف.

* هذا يدفعنا إلى الوقوف على خطة التمويه التي قمتم بها وكيف أبدعتم فيها بهذا الشكل؟
** مصر لعبت على اليهود لعبة تغلبت بها على خبثهم ومكرهم، ونجحت على المستوى العالمي والمصري والعربي في الضحك عليهم حتى آخر لحظة، فقبلنا اتفاقات روجرز وكسينجر، وقبلنا مساعدات الدول العربية، وقمنا بزيارات رفيعة المستوى، لا تحدث بطبيعة الحال في أوقات الحرب، وقمنا بإخراج قوات إلى الاحتياط، ثم قمنا باستدعائهم مرة أخري، وأعلنا عن رحلات حج وعمرة للضباط، ثم زار الرئيس الفرقة 19 في 5 يونيو 1973 وأعلن عدم الحرب، كل ذلك كان يحدث بخطة محكمة حتى "شرب اليهود الطعم" وأخذناهم على غِرة، أنستهم حتى الآن أسماءهم، ففي الكيان الصهيوني الآن من فقد ذاكرته منذ نصر أكتوبر حتى الآن.

ساعة العبور
يوسف عفيفي يقرأ أشعارًا لجنوده على الجبهة
* ماذا حدث في الساعة الثانية ظهر يوم 6 أكتوبر 1973؟
** قبل الساعة الثانية بنصف ساعة، أعطيت الأوامر بدفع قوات الصاعقة وجماعات رصِّ الألغام واقتناص الدبابات لعبور القناة والتمركز على خطوط تقدُّم احتياطات العدو القريبة؛ لمنعها من الاقتراب إلى الإمام إلى النقاط القوية، وفي الساعة الثانية وجدنا فوق رؤوسنا الطيران المصري يحلق بطريقة منخفضة ووجدنا أنفسنا نردد صيحات النصر "الله أكبر.. الله أكبر" عالية، وانتشرت الصيحات على طول الجبهة التي تنتشر فيها الفرقة 19، فارتفعت المعنويات إلى القمة وأعطتنا أملاً كبيرًا في النصر حيث إننا لم نشاهد هذه الطائرات منذ 20 أغسطس 1970، وبدأ تمهيد المدفعية ولم ينتظر المقاتلون انتهاء تمهيد المدفعية وتحركوا للعبور، وكانوا يتسابقون للشهادة.

وأذكر هنا قصة مؤثرة.. حيث جاء إليّ قائد الشرطة العسكرية في الفرقة وقال لي: إنه العائل الوحيد لزوجته وهو معه راتبه ولا يعرف كيف ستتصرف زوجته دون مال، وطلب مني أن يذهب لها ويرجع سريعًا، فنظرت له وأخبرته أن المرور أثناء التحرك ممنوع بعد إعلان كلمة السر، ودورك كبير في عمل الطرق والمحاور للقوات، فقال كلمات مازالت تهزُّ قلبي حتى الآن: "يافندم أنت علمتنا الشرف والرجولة" فصمتُ ثم قلت له: خذ عربة الشرطة العسكرية وسلِّم مرتبك وتعال، ورجع الساعة الواحدة ظهرًا، ورأيت منه في الحرب عجبًا، حيث قام هو وسريته بدور عشرة سريات، وذلل لنا تحركاتنا بطريقة لا أعرف حتى الآن كيف تمت، ولكنه توفيق الله له.

*صيحة التكبير "الله أكبر" كيف خرجت، وهل كانت مُعدّة مسبقًا؟
**بصراحة أنا كنت متعمدًا أن ألقِّن جنودي هذه الصيحة قبل أي لقاء معهم، وكنا نردِّد هذه الصيحة سويًّا، ليقيني أن الإيمان بالله والتعلُّق به هو سبب النصر الأول، ولكن الكلمة خرجت من القلب بدون اتفاق بيننا.

* تعرضتم لمواقف صعبة، وصفتها قبل بدء الحوار بأنها كفيلة بتبديد كل شيء، ماذا حدث بالتفصيل؟
**في ليلتي 6 و7 أكتوبر تم الاستيلاء على الحصون أرقام 146،48، ومحاصرة النقط رقم 149، 158، ولسان بورتوفيق، وفي هذا الوقت لم يتمكن مهندسي الجيش الثالث من إنشاء الكوبري اللازم لعبور القوات؛ حيث إن الفتحات الشاطئية لم تتمكن خراطيم المياه من فتحها، وأصبحت الفرقة في موقف لا تُحسد عليه، فالمشاة بأسلحتها الخفيفة والأسلحة المضادة للدبابات عبرت إلى شرق القناة، وباقي الأسلحة الثقلية والدبابات والشئون الإدارية في الخلف، فأصدرت أوامري بمساعدتنا في الشرق، وأن تحتل الدبابات السواتر الترابية في غرب القناة؛ كي تقوم بمعاونتنا بالنيران ضد العدو الصهيوني في الشرق، وأمرت قائد كتيبة المهندسين بفتح الفتحات الشاطئية بالمتفجرات، علمًا بأنها ليست مهمة الفرقة ولكنها مهمة الجيش.

وفي نفس الوقت وجدنا أزمة ثانية، حيث بدأ النسق الثاني من القوات "الاحتياط" اللواء الثاني "مشاة ميكانيا" بالتحرك خلف القوات للعبور، وبدأ أهالي السويس في المساعدة في نقل الذخيرة إلى الشرق، ولكننا فوجئنا بأنه لا يوجد قارب واحد للعبور عليه، حيث جرف التيار المائي الشديد جميع قوارب العبور المطاطية، فاتصل بي قائد اللواء العقيد محمد الفاتح كريم، وقال: كيف أعبر دون قوارب مطاطية؟! قلت له: اعبر سباحة أو بعوامات "تنكات المياه"، أو باستلقاء الجنود على المياه وعبور الجنود فوقهم، أو استخدم الناقلة البرمائية "ك 161".. وعبر بها بالجنود، وتم الاتفاق على الناقلة، ونقلتُ فصيلةً فصيلةً في مدة كانت- بفضل الله- أقل من عبور القناة بالقوارب، ويشاء الله عز وجل أن تؤدي هذه المركبة دورها وتغرق في آخر شوط !!.

وبات مقاتلو الفرقة يقاتلون بصدورهم لمدة 26 ساعة دون معدات ثقيلة تعاونهم، إلى أن تم إنشاء الفتحات الشاطئية وإنشاء الكباري في منتصف يوم 8 أكتوبر، وفي هذا الوقت كان بعض قواتي المدرعة تتحرك للعبور عن طريق كوبري الفرقة السابعة شمالاً "طريق المعاهدة" وطوله 30 كم، وتم ضرب الكوبري وتدميره، فتكدس الطريق بالمركبات والعربات والدبابات ومدفعيات الجيش الثالث بأكلمه، وكادت تحدث المصيبة الكبري، ولو كان الطيران الصيهوني قد تمكن من المرور فوق قواتنا لقضى على الجيش الثالث بمعداته كلها، ولكنه توفيق الله عز وجل، حيث قام رئيس أركان الفرقة الشهيد عميد حشمت جادو بتنظيم حركة المرور وفك الاشتباك على هذا الطريق حتى منتصف الليل وحُلَّت الأزمة، ولازلت حتى اليوم أتساءل بيني وبين نفسي: لماذا لم يستطيعوا رؤية هذا الحشد؟ وأجيب عل نفسي: لقد كان فضل الله علينا عظيمًا، فكانت فرصة سانحة للعدو لتدمير الجيش الثالث بأكمله ولكن الله سلَّم، ثم هناك بعد ذلك حائط الصورايخ المعجزة الذي لم يسمح لطائرة واحدة من طائرات العدو باختراق المجال الجوي الخاص بنا فوق قناة السويس.

حصار السويس
* تكلم الكثير على حصار السويس والمقاومة الباسلة هناك وكنتَ أحد شهود العيان عليها، فماذا حدث فيها ؟
**لقد بدأ الحصار من الساعة 6,52 من مساء يوم 22 أكتوبر لحظة توقف إطلاق النار، واستمر حتى العاشرة من صباح 29 أكتوبر لحظة وصول قوات الطواريء الدولية.

وأؤكد أن معركة السويس كانت ملحمة باسلة رسخت الصمود، أروع بكثير مما قيل وتردد، كان وراءها بطولات قدمها الرجال من أبناء الفرقة 19 مشاة التي كان لي شرف قياداتها، ولم تكن بطولة السويس في معركة 24 أكتوبر بل سبقتها ولاحقتها معارك ضارية، تكبدت خلالها القوات الصهيونية 43 دبابة و9 عربات مدرعة و39 ضابطًا وجنديًّا صهيونيًّا وعددًا كبيرًا من القتلى والجرحى.

ولازلت أذكر جيدا أني بعد أن تم إعلان وقف إطلاق النار في 25 أكتوبر، جمعت القادة والرؤساء في الفرقة وحكيت لهم قصة حصار الفالوجا التي حضرتها وأهمية أن نكون جاهزين؛ لأن اليهود أهل غدر وخيانة، وأعطيت لهم تعليماتي العسكرية، ثم قمت لهم بحملة معنوية وحملة إشغال؛ كي لا يتسرب اليأس إلى قلوبهم من الحصار، ومنها أننا ساعدنا الأهالي في إرسال 23 ألف برقية لمن يريدون، بوسائل الاتصال العسكرية.

وفي يوم 17 نوفمبر 1973، وبعد استمرار العدو في ضرب المعابر الخاصة بنا أثناء الحصار، وسط صمت طويل لنا، أصدرت أوامري بالرد في هذا اليوم بعد أن لاحظت أن العدو يقوم بتغيير قواته، وحشدتُ نيران المدفعية على مواقع العدو غرب المثلث تحديدًا، واتصل بي المشير أحمد إسماعيل وزيرالدفاع وأبلغني أن الأمم المتحدة تشكو مما حدث، فنفيت حدوث أي شيء من قِبَلنا، وأوضحت له أن قوات العدو هي التي ضربت مدفيعة طويلة المدي خطأ على قواتها، ومن هذا اليوم ولم أر رصاصة ضد قواتي بعد أن تم تأديب الصهاينة دفعة واحدة.

* وصفت قواتك بأنهم أبطال فوق العادة.. ماذا حدث منهم حتى يحصلوا على هذا النوط؟
** لقد قاموا ببطولات مشرفة ومعجزات حقيقية لابد أن تسطَّر لهم بحروف من نور في سجل الشرف؛ ففي النقطة 149 علي ممر "متلا"، استمرت السيطرة بضابط برتبة رائد، اسمه محمد زلط، ومعه سبعة جنود فقط تطوعوا للهجوم على النقطة بعد أن حاصرتها ثلاث كتائب، وتصوروا أنهم هاجموا النقطة بالمواجهة، حيث عبروا الأسلاك الشائكة وآلاف الألغام وضربوا النقطة الأمامية للحصن، فخرج اليهود مذعورين من الخلف، وتم تسليم 21 أسيرًا من هذه النقطة، فيما اسشتهد الضابط بعد أن تلقى دفعة من رشاش صهيوني أودى بحياته.

وفي النقطة 158 التي سقطت يوم 8 أكتوبر، وجدت جنودي الأبطال يصدون بصدروهم فتحات الرشاشات واستشهدوا مقابل أن يقتحم باقي الجماعات المقاتلة هذه النقطة، وقمنا بأسر 13 أسيرًا منها.

وفي لسان بورتوفيق أسرنا 37 أسيرًا و 5 دبابات جديدة، فيما تم الاستيلاء على نقطة عيون موسى بعد أن فرَّ الصهيانة دون قتال أو مقاومة؛ خوفًا من جنودنا وتركوا خلفهم 6 مدافع وعربات مدرعة ورشاشات، وبالجملة فقد سلمنا في هذه الفترة 53 أسيرًا، منهم 8 طيارين من إجمالي 114 أسيرًا تم أسرهم على طول المعركة.

تغيرات الشعب المصري
*هل تغيرت مصر عن ذي قبل، أو بمعنىً آخر هل تبخرت معنويات نصر أكتوبر؟
**مصر كنانة الله في أرضه، والله سبحانه وتعالى حافظها، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا فتح الله عليكم مصر من بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض" ، إذن مصر في رباط دائم إلى يوم الدين.. فلا تقلق على مصر، مصر هي مصر لن تتغير مهمها فعلوا فيها، ذوَّبنا الاستعمار ولم نذُبْ فيه، ومصر ستستمر بنسائها وأطفالها وشيوخها ورجالها مهما كان الوضع أليما اليوم.

ولذلك فأنا أدعو إلى رفع الهمم، وتعظيم الانتماء، والولاء لمصر، والتحلي بإخلاص النية لله تعالى في العمل الذي هو أمانة فرضها الله تعالى علينا.

* أخيرًا.. ماذا يقول الجنرال العنيد إلى قادة الكيان الصهيوني؟
**لقد اشتركت في الصراع بيننا وبينكم في عام 1948 في فلسطين، وفي أعوام 1956،1967، وعام 1973، ولم أرَ جنديُّا على الأرض يقاتل وجهًا لوجه، وكنتم تقاتلون من وراء الحصون والجدران وداخل القلاع وداخل المدرعات، أو تفرون بدون قتال؛ كما حدث منكم في موقع عيون موسى، عندمم تركتم هذا الحصن ودخلناه وقت الغداء، وكانت المائدة دسمة، ولم نجد منكم رجلاً واحدًا، وظننتم أن حصونكم مانعتكم، ولكن خرَّبنا حصونكم، التي قالت عنها رئيستكم جولدا مائير: إن مجرد الاقتراب من خط بارليف إهانة لكم.. ولكننا حطمنا غروركم، ليس بالقارب فقط، بل بالاستيلاء والتدمير، واسألوا أسراكم وجنرالاتكم في معركة السويس الباسلة، كيف كان الذعر، وكيف هربوا ليلاً من السويس، وكيف تعاملت معهم المقاومة الشعبية.. وأرجو ألا تنسوا معركة الأربعين داخل السويس، عندما كانت جحيمًا لقواتكم، واقرءوا نتائج "لجنة تحقيق جارنت" التي حققت في حرب 1973.

No comments: