فرحتي

اصنع بطاقتك مع شبكة أفراح

Sunday, April 11, 2010

رحيل المستشار الرفاعي.. فارس العدالة إذ يترجل


- زكريا عبد العزيز: أبرز رموز مدرسة استقلال القضاء
- محمود الخضيري: قدوة في كفاح الاستبداد والظلم
كتب- حسن محمود:
فقدت مصر اليوم المستشار يحيى الرفاعي مؤسس تيار الاستقلال القضائي، وشيخ القضاة في مصر والوطن العربي، وواحدًا من أهم رموزه خلال نصف القرن الماضي، وواحدًا من أهم علامات العدالة في تاريخ مصر.

وأسهم الفقيد في عهد الرئيس جمال عبد الناصر في إصدار بيان نادي القضاة عام ‏68‏ الذي أعلن رجال القضاء فيه كلمتهم عن أسباب النكسة‏، وطالبوا بتوحيد العمل العسكري العربي في مواجهة العصابات الصهيونية، وتعبئة الشعب في موجهة العدوان، والنص على ضمانات استقلال القضاء في الدستور، وعدم إشراك غير المتخصصين في اختصاصات السلطة القضائية، وأن يكون رجال القضاء بعيدين عن تنظيمات الاتحاد الاشتراكي، فكان من أوائل من شملتهم مذبحة القضاة في أغسطس 69، إلا أنه كان أول مَن أقام الطعن عليها حتى رجع إلى مؤسسة القضاء.‏

وشارك في عهد الرئيس محمد أنور السادات‏ مع بعض زملائه القضاة في الضغط على الحكومة لسحب المشروع الأول لقانون "حماية القيم من العيب"؛ وهو أحد القوانين المشبوهة التي رفضتها معظم القوى الوطنية،‏ فتم التجاوز عن تعيينه في محكمة النقض‏,‏ فناضل حتى أصدرت المحكمة حكمًا وحيدًا بتعيينه فيها‏‏.

وناضل المستشار الراحل في عهد الرئيس مبارك؛ حيث نظم المؤتمر الأول والوحيد للعدالة أثناء رئاسته لنادي القضاة، والذي افتتحه الرئيس في أبريل ‏1986م،‏ وقد كان خطابه أمام رئيس الجمهورية في افتتاح هذا المؤتمر- بحسب القضاة والمراقبين- وثيقةً من وثائق الدفاع عن حقوق الإنسان‏‏ واستقلال القضاء، ‏وقد انتخبه قضاة مصر رئيسًا شرفيًّا لناديهم مدى الحياة.‏

وأصدر بيانًا شهيرًا أعلن فيه اعتزاله العمل بالمحاماة لظروف الصحية، تضمن وجهة نظره ورؤيته لبعض الأمور المتعلقة بالاستقلال المالي والإداري الواجبين للسلطة القضائية، مع ضرورة توحيد جهاتها تحت مظلة محكمة عليا واحدة‏,‏ ومجلس قضاء أعلى واحد‏.

وقدَّم الفقيد في نهاية عام 2002م مذكرة موجهة إلى نقابة المحامين المصرية، يجسد من خلالها حال العدالة في مصر، وينعاها ببالغ الحزن والأسى، واتهم حكومات الحزب الوطني بانتهاك استقلال القضاء وحصانته، مؤكدًا أن هذه الحكومات لم تتوقف يومًا عن تجريد القوانين التي تضمن حصانة القضاء واستقلاله من مضمونها تمامًا، بل وتخالفها صراحة لحساب السلطة التنفيذية التي سيطرت تمامًا على القضاء، وضربت استقلاله وقواعده وضمانته؛ وذلك من خلال وزارة العدل.

وتساءل: ما قيمة نصوص الدستور والقانون والحقوق والحريات إذا لم يقم على تطبيق هذه النصوص قضاة مستقلون ومحامون أحرار!.

وأضاف أن ثقة العامة في القضاء والقضاة اهتزت؛ خاصةً حين يتم تعيين بعضهم محافظين، ناهيك عن اعتياد بعض وزراء العدل على التردد على بعض المحاكم، وبرفقتهم رئيس أعلى المحاكم المصرية وغيره من كبار رجال القضاء؛ حيث يستقبلون بالزغاريد فينثر الوزير المكافآت بسخاء دون أن يكون لهذا العبث أي أصل من شيم قضاء مصر وقضاتها، ولا من تقاليدهم في يوم من الأيام.

ومن أهم مؤلفاته كتاب استقلال القضاء ومحنة الانتخابات، والذي كتب فيه ينتقد الاعتداء على الدستور وخرق القانون قائلاً: "بأساليب ممقوتة.. جمّدنا حزبًا وصادرنا صحفه، وحبسنا من نشاء".. ثم يستطرد: "ولكن في بلاد العالم الثالث لا يسمح السلطان لرعاياه بمجرد الأمل في وجود إنسان غيره".

وتاريخ التحرش الحكومي بالمستشار طويل، بدأ حلقاته بالأحكام التاريخية التي كان المستشار يصدرها على غير هوى النظام، ثم بلغت ذروتها في مؤتمر العدالة الأول والأخير في منتصف الثمانينيات، عندما أصر شيخ القضاة على مواجهة الرئيس مبارك بضرورة إلغاء قانون الطوارئ، وعندما طلب إليه الرئيس ألا تتناول خطبته في المؤتمر بند الطوارئ أصر ضمير العدالة في مصر على الرفض؛ ما دفع الحكومة إلى استباق المؤتمر، وعقد جلسة مسائية لمجلس الشعب- عشية انعقاد مؤتمر العدالة- مددت قانون الطوارئ سنوات ثلاث، ولم يسكت المستشار يحيى الرفاعي، ففي صباح اليوم التالي، وفي حضور الرئيس مبارك حمله المسئولية، وأعاد عليه مطلب القضاة في جميع أنحاء مصر بإلغاء القانون المشئوم.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت الدولة تتحرش بالمستشار الجليل، إلى حد محاولة اغتياله بعد إجرائه لعملية جراحية كبرى في القلب؛ حيث تعقبته سيارة حكومية حتى دهمت سيارته وهشمتها، وكان المستشار قبل هذا بأسبوع قد وجه نداءً إلى الرئيس مبارك بضرورة تنفيذ أحكام القضاء.

وكانت آخر حلقات مسلسل تحرش الدولة بالمستشار الجليل ما حدث من هجوم 70 بلطجيًّا برئاسة لواء سابق على مصيفه في قرية مارينا؛ وهو الأمر الذي فضحه المستشار في بيان أكد فيه أن ما حدث معه صورة مصغرة لما يحدث مع كل مواطن من أهل مصر, حتى يفقد الجميع غريزة الانتماء للوطن وأنه مواطن حر يحميه القانون, متسائلاً: فما بال رجال القضاء في هذا الوطن إذا شعر بذلك شيوخهم.

ومن أقواله الخالدة: 99.9% من قضاة مصر شرفاء؛ لكن لا بد من حمايتهم من أية ضغوط‏!‏، قانون الطوارئ هو مفتاح كل فساد.. حتى أحكام القضاء التي تصدر في ظل قانون الطوارئ تكون خاضعة للتصديق أو الإلغاء أو التعديل وليس لها أي احترام!! يقولون إننا دولة مستقلة ذات سيادة، وأن لدينا قضاءً مستقلاًّ، ولدينا سيادة قانون، ولدينا برلمان، في حين أنه ليس لدينا شيء من ذلك كله ولا حتى الحياء، القضاة ليس لهم مطالب شخصية، فكل مطالبهم كانت متعلقة بحسن سير عملهم وبأدائهم لرسالتهم على المنصة وتيسير الأمور عليهم.
المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي قضاة مصر السابق قال لـ(إخوان أون لاين): "إن المستشار يحيي الرفاعي يمثل قامةً كبيرةً في القضاء المصري، ويكفي أن يعلم كل مواطن في مصر أن هذا الرجل هو الذي أحيا مطالب استقلال القضاء، بعد اغتيالها في العهد الناصري سنة 1969م إلا أن بعودة المستشار يحيى الرفاعي للقضاء، ثم رئاسته لنادي القضاة، والتي لم تستمر طويلاً".

وأضاف أن هذا الرجل بنشاطه الواسع وحبه للقضاة والقضاء وعشقه لاستقلال القضاء أعطى الكثير، حتى إنه الوحيد في عام 1986م الذي طالب الرئيس مبارك بإنهاء حالة الطوارئ، وقال للرئيس: "إن حالة الطوارئ لم تمنع أحداث الأمن المركزي".

وأوضح أن مطالب الإشراف القضائي على الانتخابات كان هو من حرر رؤية القضاة حولها، ومعه زملاؤه في مجلس إدارة نادي قضاة مصر في 1991م، وترك للقضاة مشروع قانون السلطة القضائية، فضلاً عن إنشاء مكتبة القاضي وكتابة أهم الكتب القضائية التي دافعت عن حقوق القضاة، مؤكدًا أنه كان أمة وحده، وأن القضاة لن ينسوا أفضاله عليهم حتى آخر الدهر.

ووصف المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض المستقيل الفقيد بأنه رمز الكفاح ضد الظلم والاستبداد والعدوان على استقلال القضاء، موضحًا أن كل رموز تيار الاستقلال القضائي من تلاميذه يمثل لهم قدوة قضائية عليا يقتفون أثارها.

No comments: